الاستاذ حمدين صباحى يصف تعذيبه فى السجن

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الاستاذ حمدين صباحى يصف تعذيبه فى السجن

مُساهمة من طرف دكتور احمد عبدربه في الجمعة 13 أبريل - 16:59

الاستاذ حمدين صباحى يصف تعذيبه فى السجن
الاستاذ حمدين صباحى يصف تعذيبه فى السجن
الاستاذ حمدين صباحى يصف تعذيبه فى السجن


حمدين صباحى هو اسم يعشقه
ويحترمه كل فلاح مصرى تعرض للظلم والذل فى ظل النظام البائد، فقد كان هذا
الاسم يرن بقرى مصر طيلة الأعوام الماضية وتحديدا عام 1997 الذى نشبت فيه
انتفاضة الفلاحين ضد قانون المالك والمستأجر التى قادها حمدين صباحى.


ففى الوقت الذى كان يخشى فيه
الكثيرون قول الحق والدفاع عن المظلوم، وقف حمدين صباحى واعلن رفضه التام
لقانون العلاقة بين المالك والمستأجر، الذى سعت السلطة من خلاله لانتزاع
الاراضى الزراعية من ملايين الفلاحين الفقراء وإعادتها إلى أبناء وأحفاد
الإقطاعيين، في عودة صريحة لنظام الإقطاع من جديد مما يعد إنقلابا على
إنجازات ثورة يوليو المجيدة.


ولم يكتف حمدين صباحى حينذاك
بإعلان رفضه لهذا القانون الظالم، بل قاد إنتفاضة الفلاحين ضد النظام
انطلاقا من قرية بهوت بمحافظة الدقهلية، تلك القرية التى بدأت كفاحها ضد
الإقطاعيين قبل ثورة يوليو ثم عادت لتستكمل كفاحها عام 1997 ضد قانون
العلاقة بين المالك والمستأجر.


وقد برز دور حمدين صباحى فى
انتفاضة الفلاحين الثانية حيث كان القائد والمدافع عن حقوق الفلاحين، وهو
الأمر الذى ادى إلى اعتقاله وتعذيبه فى إحدى سجون النظام تحديدا سجن طره.


وبالرغم من التعذيب الذى تعرض
له حمدين صباحى فى السجن إلا ان هذا لم يمنعه من كتابة يومياته، والتالى نص
المقال الذى كتبه حمدين صباحى من داخل السجن عام 1997 والذى يسرد من خلاله
الكثير من التفاصيل المثيرة لفترة اعتقاله:



بسم الله الرحمن الرحيم

أحبائى سلمى ومحمد

فجر 18 يونيو 97

دخلنا سجن الاستقبال بطرة كان
معى ثلاثة رجال أنقياء القلب وكان معدنهم الأصيل يتهيأ لأجمل لحظات لمعانه
تحت لهيب التعذيب الذى كان الجلادون يهيئون له ، د. محمد عبده وحمدى هيكل
ومحمد فياض ، ظهورنا للحائط فى بهو السجن وأمامنا انتظمت ثلاثة صفوف من
العساكر سود الزى تكللهم “الباريهات” السوداء وينتعلون “البيادات” السوداء ،
ومابين سوادهما كان سواد الوعى وظلام القلب المضلل وعتمة الروح المستلبة
يحركون مع أوامر ضابطهم أيادى وأقداما وقبضات لتهبط على لحمنا العارى نهشا
وتعذيبا


حين ارتفعت يد الضابط الغليظة
وبدأت تشق الهواء باتجاه وجهى لتدشن حفل استقبالنا الوحشى ، كانت عيناى
تجتازان اليد الغليظة والوجه الغليظ والجسد الغليظ وتخترقان المسافة إلى
أعلى قرب نجمة الفجر الأخيرة التى تشرف على صبحنا من بعيد حيث كان وجه عبد
العاطى صباحى يضئ فى الساعة الأشد حلكة من الليل ويرقب هادئا مطمئنا هجوم
البرابرة على لحم ابنه الأعزل وصحبه الأنقياء


وحين هوت على اللطمة الأولى
اكتشفت أننى لم أكن واحدا ، كنت ثلاثة ، نخلة وشجرة جوافة وأنا ، تولت
النخلة تلقى أكثر الضربات وأشدها أذى ، وأوتنى شجرة الجوافة الى رحمة ظلها
العطوف بينما تفرغت أنا لأتأمل المشهد


عصفور وحيد كان يطير مفزوعا بين
نخلتى وشجرة الجوافة ، وكلما تهاوت على أجسادنا الركلات والقبضات تقافز
العصفور فى غنائه وجع يعذبنى ، أكثر من ضربات “القايش”(الحزام العسكرى)
وصفعات الأكف النهمة على ظهرى العارى ، ظلت تأوهات العصفور البرئ حفل
تعذيبنا بشجن نبيل يليق بالذين يسحلون فى حب وطن موجوع، مر دهر من التعذيب
قبل أن نقول آه ثم مر دهر قبل أن تتحول الآه الى صرخة موجوعة ، كنا نسقط
أرضا ثم تقيمنا الركلات من رقدتنا . وكان جيش من النمل يغزو أعصابنا منطلقا
من نقطة الضرب فى العمود الفقرى الى آخر حدود الجسد ثم يعاود نهشنا


كلما اشتد التعذيب ارتفع صوت العصفور شقشقة تخترق أسوار السجون وتسعى الى البيوت النائمة على امتداد مصر تنتظر لحظة صحوها القريب

ممدا على بلاط السجن وجهت
نظراتى المندهشة الى عيون الجنود المتحفزين فوقى ، والى نعال “البيادات”
الثقيلة ، وكنت أرانى – وأنا الطريح – عاليا أعلى من نعالهم وعيونهم
ورؤوسهم وسقف سجنهم ومن الألف مئذنة التى لم تكن بعد رفعت أذان الفجر ..
كنت هناك بقرب نجمة الفجر الأخيرة التى يسكنها عبد العاطى صباحى ويطل منها
على مكابرة عبده وهيكل وفياض وأنا ، كما يطل على حقلنا الذى رواه بعرقه
سبعين عاما وكان يرى الخضرة التى ترعرعت على جانبى نيل عظيم لم يوقفه
الطغاة عن الجريان ويرى الزهور التى تتفتح فى الريف والمدن رغم أنف الأحذية
العسكرية الثقيلة ويرى الراقدين فى البيوت فوقنا أنهم يوشكون على النهوض
ويرى العصفور البرئ الذى يرسل شقشقته بطول وعرض البلاد . ويرى أجسامنا
العارية وقد تلوت بدمنا المقتول تحت جلودنا من أثر التعذيب وكان يرى نخلتى
وشجرة الجوافة وهما من غرس يديه ، كان يرى كل شئ ، مطمئنا واثقا من
انتصارنا وكان يرينى مايراه .. فى هذه اللحظات الطويلة التى بدت لاتنتهى
وضابط (المخلة) يقود ضراوة الهجوم على طيبتنا ، ويعذب انتمائنا للفقراء .
لم أكن أرى من هذا الضابط إلا جسدا ضخما لم يفلح فى سد الأفق ، ويدا غليظة
لم تفلح فى تشتيت تأملى ، ولم يكن له وجه كسائر البشر ، كان وجهه كتلة
مشوهة من اللحم أشبه بعجين رغيف سقط فى يد الفران ولم يأخذ حظه من الانضاج ،
كان لحما بلا عيون ، بلا أنف ، بلا فم رغم الشتائم العفنة التى كانت تخر
منه وتنتن الهواء فى طرة ، لم يكن ثمة مايميز كتلة اللحم الشوهاء فوق رقبته
إلا التقرحات الجلدية فى الموضع الذى يفترض أن يكون جبهته ، من المؤكد
أنها ليست أثر السجود فى الصلاة ، انها محض تقرح جلدى ، أو هى حظه من النار
التى طالت عجينة وجهه النيئ ، كنت فى البدء مأخوذا ومندهشا من حماسة
الضابط واندفاعه للأذى ، ومن توالى الدق على أعناقنا بمطارق يده المنفلتة
أيقنت أنه لاينتمى الى الانسان ، من الذى جرد هذا الكائن من آدميته وارتكن
به الى سلالة من الوحوش التى تلغ فى الدماء ؟ من الذى أمات ضميره وباع
روحه للشيطان ، وحوله آله للدمار تدب على قدمين ؟ من الذى سرق منه قلبه
وملامح وجهه وتركه بلا حب بلا عاطفة بلا قدرة على الألم؟ حيرتنى الأسئلة هل
هو نظام القمع الذى يقتل الحرية بينما يتغنى بها على صفحات الجرائد
الكذابة ؟ هل هو الفقر الذى رماه الى حرفة الوحش يتكسب منها علاوة أو
مكافأة ؟ هل هى أوامر قياداته يتطوع ضابط المخلة بتنفيذها لحسا لأقدام
الرتب العليا ؟ هل هو السجن الذى عاقره طويلا حنى استل منه آدميته ؟ وهل هو
مريض نفسى ؟ أم مجرم فى زى ضابط شرطة ؟ هل يستحق العلاج أم الاستئصال ؟
وان كان مجرما فهل هو منفرد أم فرد تشكيل عصابى يحكم ويتحكم فى هذا الوطن؟
وان كان مريضا فهل هو حالة شاذة أم عينة من حاملى الوباء المرضى الذين
يسيطرون فى وطن ظل شعبه يصنع الحضارة منذ سبعة آلاف عام ؟


لم يكن صعبا أن تتفتح لى بوابات الاجابة عن هذه الأسئة ، سؤال واحد استغلق على وأدهشنى : كيف أمكن لهذا المسخ أن ينتحل اسم محمد ؟

استغرقت طويلا فى تأمل العسكرى
الأسود الذى كان أقرب أعضاء فرقة التعذيب إلىً وأنشطهم فى توجيه الضربات
والركلات الى جسدى العارى إلا ممايستر العورة ، بين حين وآخر كنت أحول
وجهى من الحائط الذى أمرنا بالنظر اليه مع رفع أيدينا الى أعلى وأسدد نظرتى
للخلف الى عيون العسكرى المتحفزة ، وكنت أستطيع أن أرى الاضطراب فى عيونه
والزيغ فى نظراته وأن أرى عنده ضدى وقسوته المتزايدة على حيلة ليدارى
اضطرابه وزيفه ولم أشعر بأى نقمة عليه أو على زملائه المساكين الذين يكيلون
لنا العذاب .


كنت واثقا أنه فلاح فقير من
أسرة فقيرة شأن معظم جنود الأمن المركزى وقوات الأمن والحراسات الخاصة
وغيرها ، ولعله كان من مستأجرى الأرض الزراعية الذين دخلنا هذا السجن دفاعا
عنهم .


كنت اتأمله وعلى وجهى ظل
ابتسامة حزينة ساخرة ، أيعذبنا من ندافع عنهم بأيديهم ؟! يضربنى بالجزمة
الميرى التى سلمتها له الحكومة وسلحته بها ضدى ؟ هذه الجزمة التى لاتخفى
عنى شقوق قدميه . يضربنى وأنا أسجن من أجل احترام حق هذه القدم المشققة فى
احتضان أرضها بدلا من تشريدها حافية على أسفلت البطالة !


كان قلبى الذى يحب هؤلاء
المضللين يدعو لهم بالهداية وكنت أمني نفسي بأن الأسود الذي يلبسونه على
جلودهم لم يتغلغل تماما في قلوبهم الخضراء المنهكة من الفقر وإطاعة أوامر
السادة المتوحشين. وكنت أسامحهم قبل أن تهوى على ظهري ضرباتهم وبعد أن تترك
اثارها على لحمي.


وعلى الحائط الذي التصقت به
واصطدمت به وجوهنا و رؤوسنا اخذ المشهد يتسع وينفسح كلون صديقي الطيب “عاطف
الطيب” يزيح الجدار بعيدا ويعلق عليه شاشة بيضاء، نظر إلى بعيون حزينة
وباسمة وعرض علينا من “البرئ” مشهدا للحظة الكشف التي دهمت جندي الأمن
المركزي “أحمد زكي” عندما ارتطم وهو منخرط في حمى التعذيب بوجه بلدياته
وصديقه الطيب “ممدوح عبد العليم” ولم يكن عساكر فرقة التعذيب السوداء ولا
ضابطهم المسخ يرون ما نرى.


تذكرت صديقي الحنون الجارح
“مظفر النواب” الذي غامت عيناه من التعذيب فتراءى له وجه فلسطين, فهذه
“المتسامية” الثاكل، تحضر حين يعذب أي غريب.


لم أكن غريبا في طقس التعذيب
على أرض طرة و لم يكن عبده أو هيكل أو فياض يشعرون بالغربة. كنت أحس بأني
في سجني وأن المحشورين بكل زنازينه إخواني، يكفي أن سجون الوطن تتعطر
بأنفاس محمود نور الدين و اأمن حسن واأطال ثورة مصر وآلاف الضحايا الذين لم
يرتكبوا الا جريمة حب الوطن. ولم تكن حتى فرقة العساكر السوداء غريبة علي،
كانوا اخواني وبلدياتي ضاعوا وضيعوا فاصطفوا في الصف الخاطئ لم يكن غريبا
في المشهد كله الا المسخ الذي يقود التعذيب، ومع ذلك فقد أهلّ علينا وجه
فلسطين.


كان العصفور المتطاير فوقي بين
جريد النخل وأغصان الشجرة يمزج بالتدريج بين الشقشقة الموجوعة وهو يرانا
نتعذب، وبين الزقزقة النشوانة وهو يرانا نتحمل ويحس كرامتنا تتأبى تحت
القصف, وكان اللحن الممزوج من الأسى والفرح يتصاعد من عصفور الفجر ويغطي
طرقعة لهاث الضربات على اللحم المنهوك.


ورأيت الاحباب جميعا يأتون
الينا، يفدون فرادى وجماعات، يقفون قبالتنا في بهو السجن. كيف تدفق هذا
الحشد؟ وكيف التف بنا مخترقا أسوار طرة؟ ايقنت بأن العصفور النائح والشادي
فوقي ايقظهم، وعرفت بأن الآتين جميعا يجمعهم وعي الانسان بلغة العصفور، كل
الذين يعون ويتسمعون أتوا. ولهذا لم يتخلف أحد منهم ولهذا ايضا لم يأت
الينا رؤساء الاحزاب الرسمية، وتحرير الصحف القومية، ولا الثوار الكسبة ولا
جرذان الكتب المتثاقفين، ولا المنخرطين في الدفاع عن الانسان من نقطة
الختان، ولا كتاب الاعمدة الذين شعروا بأصبع “ابراهيم حسن” ولم يشعروا
بتشرد سبعة ملايين فلاح مصري/ ولا الذين عوضهم تحرير الصحف عن السعي الى
تحرير الانسان.


كان “محمد ابو سويلم” أول من
جاء الينا يتوسط حشد الفلاحين وكان يرافقه عبد الهادي ودياب (ولم يحضر لا
الشيخ حسونة ولا محمد افندي) نظر الينا ابويا محمد ابو سويلم لم يكن خجلا
من شاربه المحلوق بأيدي العسكر، نادانا كلا باسمه وقال لنا: “رجالة، انتو
رجالة وواقفين وقفة رجالة” وكان يرافقهم عبدالله النديم.


وجاءت سهام وانتما معها يا سلمى
ومحمد، وأم الدكتور محمد عيد وأولاده، وأهل حمدي هيكل، ووالد محمد فياض،
واعضاء اللجنة القومية للدفاع عن الفلاحين، ووجوه الحركة الطلابية في
السبعينيات من كل مشاربها الفكرية، و أجيال نادي الفكر الناصري وحضور لقاء
ناصر. وكان العصفور يشقشق ويزقزق فتصحو قرى كاملة وتجئ الينا من بلطيم وكفر
حكيم والمنصورية وبهتيم وتيرا والاحمر والزيني وميت حديد واشمون ونزلة
الاشطر وشبرامنت من أربعة الاف قرية كان الفلاحون يهبون على صوت العصفور
ويأتون سراعا من كل فج عميق ويتدفق نهر من “المستضعفين من الرجال والنساء
والولدان الذين يقولون ربنا اخرجنا من هذه القرية الظالم اهلها، واجعل لنا
من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا”


وأتي الينا “عاطف جلال” منتصبا
على قدميه، مرفوع الهامة، مرتديا زي السبعينيات الكاكي، ومعه “اشرف رفعت”
متوضئا بنور بهي يرقق تحفز مشاعره الفوارة، والشهيد اسماعيل واخي ابراهيم
شامخا مكابرا مغرورق العينين وجاء الينا مولانا الشيخ حامد تتصاعد زفرته
“الله .. الله” وحشد من اطفال ابرياء اصطف امام الجمع يتقدمهم ابراهيم ابن
اختي نادية مندهشا وهو يشير الى “حالي حمدين .. حالي حمدين” وكان ينطق
الخاء حاء.


كلما اشتد التعذيب كان العصفور يزقزق، وحشد الجلاليب ينمو، والبزات الميري السوداء تتقازم.

كان الحشد جليلا ومهيبا يكسوه
الصمت والكبرياء وفي العيون حزن او خجل مما يجري لنا ولهم، وفرح بصمودنا
وصمودهم وأمل في انتصارنا وانتصارهم، وترقب للحظة الختام وكان صمتهم المنيع
يذكرني بخشوع جمع في الصلاة، و بحزن جمع في تشييع جنازة، وبفرح جمع يستمع
الى طقوس عقد قران، ويتحفز جمع نواحه جيشا من الامن المركزي المدجج
بالهراوات والدروع والقنابل المسيلة للدموع والرصاص الحي.


شهدت نورا صافيا ينسكب على
الجمع الصامت ويشيع فيه طمأنينة العارفين، كان يهل من أعلى قريبا من نجمة
الفجر،ويشع من كوكبة تتألق يحدوها سيد شباب اهل الجنه ويحيط به حسين
الاهوازى وعمى المختار ويوسف العظمه وزهران وعنانى وصلاح حسين وسليمان خاطر
وسعد ادريس حلاوه وبلال محصى ولولا عبود وعز الدين القسام وسناء محيدلى
والحاجه لطيفه والحاجه فتحيه وكان بهاء نور الشهداء يبدد ظلمه ماقبل الفجر
ويسكن روعات المنطرحين على بلاط السجن ويستحضر الى قلوبنا كبرياء بلال بن
رباح ..احد ..احد..احد …فى قلب هذا الصمت الجليل تفتحت حديقة الغناء ومن كل
لون بهيج كانت اشجارها تنمو وازهارها تتفتح وتفوح كانت الافواه مطبقه لكن
الغناء كان يصعد من الجمع شجيا مؤتلفا وذاب الحشد فى طقس للتناغم كما يذوب
المنخرطون فى حضرة صوفيه.


كان اول الغناء ياعزيز
عينى/وانا بدى اروح بلدى ، بلدى يابلدى والسلطه خدت ولدى ، ثم علا صوته
:”الفلاحين بيغيروا الكتانى بالكاكى ويغيروا الكاكى بلون الدم، وكان على
اسماعيل منبثا فى جمع المندمجين مع”الارض لو عطشانه/نرويها بدمانا” وكانت
الأغنيات جميعها بصوت الجماعه بقلب الجماعه


وابصرت الشيخ إمام يبصرنا ويبصر
الجلادين ويبصر الجمع الذى يحيطه حاملا عوده بيمينه ضاما شفتيه بينما وردة
تفوح فى حديقة الغناء ، انا الشعب والشمس ورده فى كمى ، وكان لعدلى فخرى
نفس النفاذ الى الروح منذ تخرج فى كلية اداب القاهره(هل كان 78؟) الى قاعة
التوفيق فى احتفاليه السبعينيين ياااامصر/يااامصر/ياااه ياااه ياااه مصر من
قبل الزمان بزمان وانا عشقتك أنا / وعشقت حتى القش وشطوط القناه واحمد
اسماعيل خجولا لا يستعيد حبله المقطوع “الشعب قال لو هى غابه/ الحلم واقف
للوحوش وسميح شقير اتيا من سوريا:”واحزانك والامك/ضريبه حبك لناسك/تتحدى
الموت/تدخل له/وتطلع منه اجمل حى/ووجهك شاحب ولكن يوزع ضى..”ومن لبنان
انضمت الى الجمع فرقة المنادين انى اخترتك ياوطن حبا وطواعية/سرا
وعلانيه/فليتنكر لى زمنى مادمت ستذكرنى/ياوطنى الرائع ياوطنى”


ولم يفتقد الجمع حضور الست “حطيت على القلب ايدى/وانا باودع وحيدى …”ولا بشارة فيروز :”مهما اتأخر جاى”

وذاب اربعتنا فى حضرة الغناء
حتى لم نعد نحس ألما من وقع الضربات ..وغطى صوت الجمع على وقع أكف الجلادين
على الاجساد وكانت حديقة الغناء تتسع وتلتهم صحراء التعذيب وكان أحب
الاصوات فى الاحتفال الى قلبى هو صوتك ياسلمى رأيتك ممسكه بيد محمد وكنتما
معا تنظران الينا بشموخ ومحبه وتسألان “كيف من جناتها يجني الهنى / ونرى في
ظلها كالغرباء؟” .. كنا نردد مع الجمع أغانيه المتضادة المتلاحمة
المتناغمة وكان كل واحد منا يعيش لحظة انسجامه ذاتيا في الجماعة ومتوحدا مع
نفسه وكان يسمع قلبه يغني وكنت مع العصفور انصت الى صوت قلبي “يا نيل ..
انا واللي بحبه .. نشبهك في صفاك”.


تقدم المسخ نحوي مشهرا في يده
مقصا أو ماكينة حلاقة، وهوى على رأسي تغيظا، ثم تركني بعد أن حفر في شعري
بضعة أخاديد واتجه الى صحبتي واحدا واحدا.


اثناء طقس حفل الشعر، كانت
عمليات الضرب قد هدأت وبدا لي ان فرقة العساكر السوداء التي تراخت الان، لم
تكن كائنات مستقلة ذات إرادة، بقدر ما كانت مجرد اذرع لأخطبوط متوحش، كان
هذا المسخ رأسه القمئ.


كان صوت الغناء يخفت مع تراخي
ركلات التعذيب ثم ساد صمت عندما انتهى المسخ من حفر رؤوسنا واستدار حول
نفسه، كان منهكا وبائسا وضيق الصدر، وهو يرانا مرفوعي الرؤوس بعد كل ما فعل
و ربما كان يشعر بحضور الحشد الذي اكتظ به السجن والذي ضيق عليه مساحة
التعذيب، كان يلتفت حوله كمن يواجه قوة لا مرئية لا قبل له بها وكان يزفر
مضطربا بينما الحشد الذي ينصرنا ويبصره يترقب كمشجعي مباراة للكرة ينتظرون
بفروغ صبر صفارة النهاية لتؤكد انتصار فريقهم.


أمرنا المسخ بمعاودة اعطاء
وجوهنا للحائط والقفز في المكان ثم جرد يده وانهال على رقبتي وما بين كتفي
بسيل متلاحق لاهث من الصفعات وأيقنت لحظتها انه يرضع الوحش الكامن فيه
عمالة ما شرب من دمنا. ويلقمه آخر ما نهش من لحمنا في هذه الليلة الطويلة
كان الوحش قد اتخم وأنهكه التهام آدميتنا وكان ضوء الفجر يوشك على البزوغ
ولم يعد لديه كمصاصي الدماء مفر من الرحيل تحت جنح الظلام، وهكذا تراجع
مترنحا وبدأ الانسحاب، (فيما بعد عرفنا ان هذا المسخ طبقا للتحقيقات التي
أجراها المقدم عثمان زيدان في سجن الاستقبال، والمستشار النائب العام
المساعد حنفي حسن في دار القضاء العالي, ووكيل نيابة المعادي على الفقي في
محبسنا بسجن الحكومة، واللواء عبد الحميد سالم واللواء مصطفى خاطر من ادارة
التفتيش بوزارة الداخليه، يدعى الملازم اول محمد محمد سليم وسحب كرسيا
وتهالك فوقه معلنا نهاية المباراة.


دوت في أرجاء السجن زغرودة
فواحة بفرح الانتصار، اطلقتها الشهيدتان “الحاجة لطيفة والحاجة فتحية”
شهيدتا معركة كرامة البسطاء في انتخابات مجلس الشعب 1995 على يد ضباط
الشرطة بالقنابل الخانقة في مدرسة جمال عبد الناصر ببلطيم وردت عليهما


نساء برج البرلس المتشحات
بالسواد بسيل منهمر من الزغاريد أسمعت القاصي والداني على ضفتي النيل الذي
كان يتهيأ لليقظة والتف بنا الحشد في مسيرة طويلة من بهو السجن الى
زنزانتنا في عنبر “د” كنا نشكل طابورا اتقدمه ويضع د. محمد عبده كفى ذراعيه
الممدودتين على كتفي، يتبعه فياض، ويختتم هيكل التشكيل محاطين برجال
الشرطة السرية في السجن، وبفرقة عساكر التعذيب السوداء، كان الطابور يتقدم
في ظلام دامس ويصعد بضعة سلالم ويلتوي مع الممرات وكلما ابتعدنا على موقع
تهالك المسخ على كرسيه، كان عساكر الزي الاسود ينفصلون عنه كأذرع واقدام
اخطبوطية ويستردون استقلالهم وآدميتهم و رويدا رويدا بدأوا يبصرون اباءهم
واعمامهم وامهاتهم السائرين في موكبنا ويتلقون نظرات التوبيخ
والغضب،ويستفيقون .. وقبل ان نصل الى الزنزانة كان عساكر فرقة التعذيب
يفكون أزرار ستراتهم العسكرية ويقذفون بالباريهات السوداء على الارض
ويتخلصون من لعنة البيادات ويستعيرون من أهلهم كلمة صفح وجلابية يستردون
بها آدميتهم المسلوبة المستردة.


رفع الفلاحون مشاعلهم ضد ظلام
السجن، كان الموكب يتقدم، ونحن نلامس كل القلوب التي احببناها واحبتنا وكان
“علي قنديل” يتلوعلى بيانه الثوري.


وهناك يمكن ان تقابل كل من احببتهم أما الذين تود قتلهم فهم في الخلف .. لا تنظر وراءك

لا تستمع .. انصت

ولا تغب .. اندهش

واركض وقل “لا” قاتل الله الذين استنعموا ما الفرق بين شجيرة والحب ماذا يفصل الاحلام عن مستفعلن؟

او يفصل الايقاع عن جسد الزمان؟

في الإمكان أبدع مما كان /في الإمكان الأبدع /أبدع مما كان /ابدع ابدع ابدع /في الامكان /في الامكان في الامكان

في زنزانة عارية مظلمة، تهالكت
أجسادنا المنهكة في ملابسنا الداخلية، على خرسانة أرضيتها المتسخة كنا ظمأى
فأتى النيل الينا حول مجراه ودخل الى زنزانتنا صعد الى شفاهنا اليابسة
وسقانا بنفسه شربة منه لا نظمأ بعدها أبدا ثم عاد صامتا يلمع في الظلمة
كسيف مشهر يتهيأ لعدالة قصاص آت لم يخبر احدا بموعده.


كان الحشد يحيط بنا، حين تقدمت
أمي، رفعت رأسي من فوق الخرسانة وحطته على ركبتها، مسحت جبهتي بيديها
وقالت: “حمدين .. ضنايا .. ازيك؟”


قلت: “بخير يامه .. الحمدلله”

وكان وجه أبي مطمئنا يشع علينا من نجمة الفجر الأخيرة.

ومن ألف مئذنة استيقظت في
القاهرة، كان أذان الفجر يأتي الينا نقيا عفيا أبيا، وكان اخر ما سمعت
بينما الوسن يقتادني ليدخلني من بوابة النوم الى فراديس الاحلام، وكنت
اتمتم: “تصبحوا على خير جميعا”


حمدين صباحي

30/6/1997

مزرعة طرة

دكتور احمد عبدربه
Admin

تاريخ التسجيل : 28/08/2008
ذكر
المدينة/المحافظه : مصر
عدد الرسائل : 2738
نقاط : 28178
الاوسمة :

لعب الادوار
لعب الادوار: 2

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mondylovers.mam9.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى